محمد الغزالي

57

خلق المسلم

فقال : يا رسول اللّه ، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ! ! لئن أشهدني اللّه مع النبي قتال المشركين ليرينّ ما أصنع ! ! ! فلما كان يوم « أحد » انكشف المسلمون ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم . . فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر ! إني لأجد ريحها من دون أحد ! ! ! قال سعد : فما استطعت يا رسول اللّه ما صنع ، ثم تقدم . . قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بسهم ، ووجدناه وقد مثل به المشركون ، فما عرفه إلا أخته ، بشامة فيه أو ببنانه . . قال أنس : كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا « 1 » . * * * والوفاء بالعهد يحتاج إلى عنصرين ، إذا اكتملا في النفس سهل عليها أن تنجز ما التزمت به ، فإن اللّه أخذ على آدم أبي البشر ، عهدا مؤكدا ألا يقرب الشجرة المحرمة ، لكن آدم ما لبث أن نسي وضعف ، ثم نكث في عهده . وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 2 » . فضعف الذاكرة ، وضعف العزيمة : عائقان كثيفان عن الوفاء الواجب . والإنسان - لتجدد الحوادث أمامه ، وترادف الهموم المختلفة عليه - يفعل الزمان فعله العجيب في نفسه : فتخبو المعالم الواضحة ، ويمسي ما كان بارزا في نفسه لا يكاد يبين . ولهذا افتقر إلى مذكّر دائم يغالب أمواج النسيان . ويمسك أمام عينيه ما

--> ( 1 ) الأحزاب : 23 . ( 2 ) طه : 115 .